يا مَن كنتُم سببًا في سعادتي

أنا زوجة، أو كنتُ زوجة، وقد طردني زوجي لأنَّه اشترط أنْ أظلَّ معه إذا أنجبتُ له ولدًا، أمَّا إذا أنجبتُ بنتًا فسوف يطردني من قصره.
ولكن شاءت الأقدار أنْ أنجبَ فتاة... 



وها أنا أعيشُ وحدي، ليس لديَّ أهلٌ أو عشيرة.
وفي أحدِ الأيام، دقَّ بابي امرأةٌ عجوزٌ شمطاء، تطلبُ مني شربةَ ماءٍ وقطعةَ خبز.
ولم يكن معي سوى قطعةِ خبزٍ صغيرة لابنتي الصغيرة.
وقلتُ في نفسي: "لعلَّ هذه العجوز في أمسِّ الحاجةِ إلى قطعةِ الخبز."
وبالفعل، أعطيتُها القطعة، وأكلتْها.

وفي الصباح، رحلتِ العجوز، ولكنَّها تركتْ لي ماكينةَ خياطةٍ ذاتَ شكلٍ غريب.
تساءلتُ: "متى كانت تحملُ هذه الماكينةَ معها؟ وكيف؟!"
وتلك آلةٌ ثقيلةٌ بالنسبةِ لحجمِ جسدها النحيل.
والغريبُ أنَّ عليها نقوشًا وعلاماتٍ لأشخاصٍ يكادُ حجمُهم يصلُ إلى أقلَّ من رأسِ الكبريت.
حمدتُ اللهَ على هذه الآلةِ التي ستساعدني على كسبِ لقمةِ العيش.

وفي إحدى الليالي... كنتُ قد جهزتُ الماكينةَ لعملِ فستانٍ لابنتي.
وفي الصباح، وجدتُ ما لا يخطرُ على بالِ بشر!
استيقظتُ كي أقومَ بتفصيلِ الفستان، وإذ بي أرى أمامَ عينيَّ فستانًا قد تمَّ خياطتُه بغايةِ الروعة، وبلمساتٍ سحرية!
كان القماشُ غاليَ الثمن، ومطعَّمًا بالألماسِ والأحجارِ الكريمة.

أخذتُ الفستانَ وألبستُه لابنتي الصغيرة، وكادتْ تطيرُ من فرحتها.
وفي اليومِ التالي، بعد منتصفِ الليل، دقَّ بابَ المنزلِ مرةً أخرى.
فتحتُ الباب، وإذا بالعجوزِ الشمطاءِ أمامي.

دخلتِ المنزلَ، وتوجَّهتْ مباشرةً إلى الماكينة.
قالتْ لي مُشيرةً إليها: "يا امرأة، هذه الماكينةُ لكِ، وتلك النقوشُ ما هي إلا جنيّاتُ الخياطةِ السحرية.
كلُّ ما عليكِ هو إحضارُ القماشِ واختيارُ نوعِ الملابس، سواءً فستان أو سروال، واتركي العملَ على الجنيّات.
ولكن... احفظي السرَّ، فالكلُّ نعمةٌ نقمتُها..."

فسألتُها: "وما هي نقمتُها؟"
فأجابتْني: "الطمعُ يا ابنتي... القتلُ يا ابنتي..."
فسألتُها: "وما هي نعمتُها؟"
فقالت: "الغنى الفاحش، والثراءُ الكثير."

نظرتُ إلى الماكينة، ثم عدتُ بنظري إلى العجوز... ولكنَّها اختفتْ.

ومرَّتِ الأيامُ والسنون، وأصبحتُ من أثرياءِ المدينةِ وأشهرِهم في الخياطة.
وخلالَ تلك السنوات، كنتُ أحفظُ سرَّ الجنيّاتِ والعجوز.
بنيتُ قصرًا خاصًا للفقراءِ وأبناءِ السبيل، ليجدَ كلُّ محتاجٍ غايتَه...
كنتُ أُحاولُ أنْ أوفّرَ في الحاضرِ ما فقدتُه في الماضي.

وفي إحدى زياراتي لقصرِ الفقراء، وجدتُ أحدَ الفقراء... وكان زوجي السابق.
سألتُه: "ماذا حلَّ بك؟"
فقال: "لقد ألهتني الدنيا، وتركتُ كلَّ عزيزٍ وراءَ ظهري."

وسطَ بكاءٍ شديد، أخبرتُه: "ألم تتذكرني؟ أنا زوجتُك الأولى، وهذه ابنتُك."
انهارَ الرجلُ بالبكاءِ واعترفَ بخطئه.
قصَّ عليَّ ما حدثَ معه، وكيفَ أنَّ أبناءَه الصبيان قد طردوه من قصرهِ ورموه في الشارع.

أخذ يردّد: "هذا ذنبُكِ الذي فعلتُه معكِ في الماضي."

قمتُ وابنتي بأخذِ يده، ومنحته منزلًا خاصًا وتجارةً يعملُ بها، إكرامًا له لأنَّه والدُ ابنتي.

وفي إحدى الليالي، استيقظتُ لأبحثَ عن ماكينةِ الجنيّات... ولكنَّني لم أجدْها.
ذهلتُ، وأمرتُ جميعَ الخدمِ بالبحثِ عنها، ولكن دونَ جدوى.

وفي ليلةٍ ممطرةٍ سوداء، ظهرتْ أمامي مجموعةٌ من المخلوقاتِ الصغيرة، كما كانت مرسومةً على الماكينة.
أخبروني أنَّ الجنيّاتِ قد استردّتْ الماكينة.

قالوا لي: "لقد تجنّبْتِ نقمتَها، والآن نحنُ بفضلِكِ أحرار.
لقد ارتكبنا معصيةً فحُبِسْنا لقرونٍ هنا لخدمةِ صاحبِ الماكينة، وتصبحُ حريتُنا عندما يستغني السيدُ عن مطامعِ الدنيا ويكرمُ من ظلمه.
ها أنتِ قد أطعمْتِ الفقيرَ، ولم تتعالَيْ، وأكرمتِ زوجَكِ الظالمَ بعد ضعفِه.

الآن اسمحي لنا بالرحيل... وشكرًا لكِ."

ورحلَتْ جنيّاتُ الماكينة، وأنا ألوّحُ لهم مودّعة: "مع السلامة... يا مَن كنتُم سببًا في سعادتي."

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دهان البطن: كيف تتخلص من الدهون المتراكمة في منطقة البطن؟

وصفات أقنعة الشوفان للبشرة

هل تؤثر تناول الفواكه ليلاً على زيادة الوزن؟