أسطورة زينات.. لغز ممر بولاق
أسطورة زينات.. لغز ممر بولاق
في عام 1970، لم تكن شربات تتخيل أن حياتها ستأخذ منعطفًا غير مألوف حين قرر زوجها فاروق الانتقال من قريتهم في الصعيد إلى قلب القاهرة بسبب ظروف عمله. كانت شربات شابة بسيطة اعتادت على دفء العائلة وصخب الحياة الريفية، لكنها اضطرت إلى توديع أهلها وحزم أغراضها لتبدأ حياة جديدة في المدينة الكبيرة، وهي محملة بالمخاوف من غربة المكان ومنافسة نساء القاهرة، اللواتي سمعت الكثير عن جمالهن وقدرتهن على لفت الأنظار.
منذ أول يوم لها في السكن الجديد، شعرت شربات بعدم الارتياح. السكن كان عبارة عن ممر طويل مليء بالغرف الضيقة، وفي نهاية الممر كانت غرفتها الصغيرة. رغم ضيق المساحة، حاولت شربات أن تزينها بأبسط الأشياء لتشعر وكأنها بيتها.
صباح اليوم الأول، وبعد أن ذهب فاروق إلى عمله، قررت شربات التعرف على جيرانها، محاولة التكيف مع حياتها الجديدة. أول ما لفت انتباهها كانت جارتهما التي تسكن في الغرفة المجاورة. كانت امرأة غريبة الأطوار، تجلس أمام باب غرفتها ممسكة بدمية ذات مظهر عجيب: عيونها مخيطة بأزرار، وفمها عليه بقايا طعام.
ترددت شربات للحظة لكنها حسمت أمرها، قائلة لنفسها: "كلنا غُرب وعايزين عزوة. ما يمكن تكون طيبة ومحتاجة حد يتكلم معاها." تقدمت بخطى واثقة وقالت بابتسامة: "صباح الخير، أنا شربات، جارتك الجديدة في الغرفة اللي جنبك."
لكن الرد كان صادمًا. نظرت المرأة إليها بنظرة باردة، ثم قامت ودخلت غرفتها وأغلقت الباب بشدة. شعرت شربات بإهانة كبيرة وقالت في نفسها: "هو أنا جايبالي قلة القيمة هنا؟!" وقررت أن ترد الإهانة. طرقت الباب مرة أخرى بعصبية وقالت بصوت عالٍ: "أنا غلطانة إني عبرتكِ! شكلك كتكوت في هبلك ماسكة عروسة عيال!"
فتحت المرأة الباب بهدوء، لكن وجهها لم يتغير. لم يكن عليها أي ملامح انزعاج أو اهتمام، وكأنها تمثال حي. نظرت لشربات للحظات، ثم أغلقت الباب مرة أخرى دون أن تنطق بحرف.
في تلك الليلة، لم تستطع شربات النوم. كانت تمشي في الغرفة ذهابًا وإيابًا، تتساءل: "إيه الحكاية؟ هي خرسا ولا بتمثل؟ وليه سكتها ده غايظني بالشكل ده؟" وعندما عاد فاروق من العمل وحكت له ما حدث، رد ببرود: "سيبي الناس في حالها يا شربات. إحنا هنا غربة ومش عايز مشاكل مع الجيران."
لكن الأحداث لم تقف عند هذا الحد. في منتصف الليل، وبينما كانت شربات تحاول النوم، سمعت صوت ضحكات عالية قادمة من غرفة زينات، تخللتها أصوات أغاني أطفال. كان الصوت مرتفعًا بشكل غير طبيعي، كأنه احتفال في منتصف الليل.
لم تستطع شربات كتم غضبها. ارتدت جلابيتها، وخرجت من غرفتها إلى الممر، وطرقت باب زينات بعنف. فتحت زينات الباب وهي تضحك بطريقة غريبة، وكان وجهها مليئًا بالفرح الذي لم تره شربات من قبل. قبل أن تنطق شربات بأي كلمة، شدتها زينات من يدها وأدخلتها إلى الغرفة.
داخل الغرفة، كانت الأجواء غريبة. الأنوار خافتة، وزينات بدأت ترقص بطريقة عشوائية ومليئة بالطاقة، وكأنها تحاول مصالحة شربات. حاولت شربات مجاراتها لبعض الوقت، لكنها شعرت بعدم الراحة وغادرت الغرفة سريعًا، وهي تقول لنفسها: "فيها حاجة مش مريحة.. بس مش هظلمها تاني."
في الصباح التالي، قررت شربات أن تتقرب من زينات أكثر. خرجت لتجدها تجلس كعادتها أمام باب غرفتها، تحتضن دميتها الغريبة. جلست بجانبها وقالت بلطف: "حقك عليّ لو زعقت فيكِ امبارح. أنا غلطانة لما فكرتك متكبرة. إحنا جيران ولازم نبقى زي الأخوات."
هذه المرة، تحدثت زينات للمرة الأولى، وقالت بصوت هادئ: "اسمه رمزي. هو ميحبش الناس علشان بيحسدوه."
ارتبكت شربات. لم تفهم المقصود من كلامها، لكنها شعرت بأن زينات تشير إلى أنها تتهمها بالحسد. غضبت وقالت بحدة: "حسد إيه يا ست؟! هحسدك على عروسة لعبة؟!" لكن زينات لم ترد، واكتفت بالنظر إليها نظرة ثابتة قبل أن تغلق الباب مرة أخرى.
في المساء، أخبرت شربات فاروق بما حدث، وطلبت منه التدخل. قرر فاروق التحدث مع زوج زينات لحل المشكلة بهدوء. ذهب إلى الغرفة وطرق الباب، لكن لم يفتح أحد. بعد عدة محاولات، خرجت امرأة مسنّة من الغرفة المجاورة وقالت: "إيه اللي حصل؟ بتخبطوا على أوضة مين؟"
أجابها فاروق: "على أوضة الست زينات. كنت عايز أتكلم مع جوزها."
نظرت المرأة إليه بدهشة وقالت: "يا بني، الست زينات دي ماتت من خمس سنين هي وابنها في حادثة كهرباء. الأوضة دي فاضية من وقتها!"
شعر فاروق بالصدمة، لكنه حاول الحفاظ على هدوئه. نظر إلى شربات التي كانت واقفة ترتجف من الرعب. قالت المرأة المسنّة: "أنا بقول لكم علشان متتلخبطوش. الست زينات كانت عايشة هنا مع ابنها الوحيد، وفي يوم عيد ميلاده، حصل ماس كهربائي في الأوضة واتكهربوا هما الاتنين."
شعرت شربات بأن الدنيا تدور من حولها. جرت بسرعة إلى غرفتها وبدأت تجمع أغراضها، وقالت لفاروق: "أنا راجعة الصعيد حالًا. البيت ده متعفرت وأنا مش هضحي بحياتي هنا!"
في طريقها للخروج، وقبل أن تصل إلى نهاية الممر، قابلتها طفلة صغيرة. سألتها الطفلة: "إنتِ رايحة فين يا طنط؟"
ردت شربات وهي ترتعش: "رايحة في حالي. السكن ده فيه حاجة غلط. تخيلي اتخانقت مع ست ماتت من خمس سنين!"
نظرت الطفلة إليها بدهشة وقالت: "إنتِ قصدك الست زينات؟ آه، دي ماتت هي وحفيدتها. أصل في أوض كتير هنا حصل فيها نفس الكارثة."
شعرت شربات وكأن قلبها توقف للحظة. سألت الطفلة: "إنتِ مين؟"
ابتسمت الطفلة وقالت: "أنا حفيدة الست العجوزة اللي كلمتك."
هربت شربات من الممر ولم تنظر خلفها أبدًا. عادت إلى قريتها في الصعيد، لكنها لم تتوقف عن رواية قصتها عن ممر بولاق، وزينات، وعروستها المخيفة. أصبحت القصة لغزًا يتناقل بين الناس، وصارت تحذيرًا لكل من يغامر بالعيش في أماكن قديمة دون معرفة تاريخها.
تعليقات
إرسال تعليق