الجزيرة التي يُحظر دخولها: سر بوفيليا الأكثر رعباً في إيطاليا

قصة جزيرة بوفيليا الكاملة: من الطاعون الأسود إلى الطبيب المجنون

هل توجد أماكن حقيقية على الأرض تسكنها الأرواح وتشهد أحداثاً خارقة للطبيعة؟ من بين أكثر المواقع التي يزعم أنها مسكونة بالأشباح حول العالم، تأتي جزيرة بوفيليا الإيطالية في مقدمة القائمة. هذه الجزيرة التي تحولت عبر القرون إلى رمز للرعب والموت، جذبت إليها الصيادين والمشعوذين الذين اعتادوا ممارسة طقوسهم السفلية بين أنقاضها. دعونا نتعمق في التاريخ المظلم لهذه الجزيرة، مستندين إلى الوثائق التاريخية والمذكرات الموثقة.

قصة جزيرة بوفيليا الكاملة: من الطاعون الأسود إلى الطبيب المجنون
الجزيرة التي يُحظر دخولها: سر بوفيليا الأكثر رعباً في إيطاليا


كان ذلك في عام 421 ميلاديًا، زمنٍ كانت فيه السواحل المحيطة بإيطاليا تضجّ بالاضطرابات، وتثقلها أخبار الغزوات والصراعات وسقوط المدن الواحدة تلو الأخرى. في تلك السنوات المضطربة، خرجت مجموعات من البشر على متن قوارب صغيرة، لا يحملون معهم سوى خوفهم وأملهم، يطاردون أفقًا جديدًا قد يمنحهم فرصة للنجاة. وبين ضباب البحر وصمت المياه، ظهرت لهم جزيرة بوفيليا كظلّ أخضر طافٍ فوق الأدرياتيكي، قطعة أرض معزولة بدت كأنها ملاذ أُعدّ خصيصًا للهاربين من التاريخ. نزلوا إليها بحذر، كما لو أنهم يختبرون حلمًا قد ينقلب في أي لحظة إلى فخ، لكن الأرض كانت كريمة، والمياه هادئة، والهواء يحمل رائحة بداية جديدة.

شيئًا فشيئًا تحوّل الخوف إلى إقامة، وتحولت الإقامة إلى حياة. بنى القادمون أكواخهم الأولى من الخشب والحجر، ثم راحت المساكن تتكاثر، والحقول الصغيرة تشقّ التربة، والأصوات البشرية تستقر في المكان بعد أن كان لا يُسمع فيه سوى الريح وارتطام الموج. بفضل موقعها الاستراتيجي بين طرق التجارة والممرات البحرية، لم تعد بوفيليا مجرد ملجأ، بل صارت محطة، ثم مستوطنة، ثم مجتمعًا ينمو في صمت بعيدًا عن صخب البرّ الرئيسي. ومع مرور السنين، بدأت الجزيرة تزدهر، وتتشكل فيها ملامح حياة متكاملة، صيادون يخرجون مع الفجر، ومزارعون يراقبون تغيّر الفصول، وأسر جديدة تنضم إلى هذا الركن المنعزل بحثًا عن الأمان والفرصة.

هكذا، في قلب زمنٍ مضطرب، وُلدت بوفيليا من رحم الهروب، لكنها سرعان ما لبست ثوب الاستقرار. جمال طبيعتها وهدوء مياهها ومكانها الفريد جعلها جاذبة لكل من سئم الحروب وأرهقته المدن المتوترة. كانت الجزيرة في تلك الحقبة وعدًا صامتًا بحياة أخرى، بداية لمجتمع لم يكن يدري أن التاريخ سيعود يومًا ليطرق بابه، لا كمنقذ، بل كضيف ثقيل يحمل معه وجوهًا أخرى، أكثر ظلمة وتعقيدًا.

في عام 1379، تغيّر وجه بوفيليا إلى الأبد. لم يعد البحر الذي كان يومًا حارسها الهادئ كافيًا ليصدّ رياح الصراع التي كانت تعصف بالمنطقة. جاءت السفن هذه المرة لا تحمل لاجئين ولا تجّارًا، بل جنودًا وسلاحًا ونذر موت. اقتربوا من الجزيرة ببطء ثقيل، ثم أطبقوا عليها كما يُطبق الليل على مدينة نائمة. لم يكن هجومًا عابرًا، بل حصارًا محكمًا، قُطعت فيه كل طرق الفرار، وأُغلقت كل منافذ النجاة، حتى بدا المكان وكأنه أُخرج عمدًا من خريطة الحياة. داخل هذا الطوق القاتم، انكسرت المستوطنة الصغيرة تحت وطأة العنف، وسقط سكانها واحدًا تلو الآخر، لا لأنهم كانوا جزءًا من حرب كبرى، بل لأنهم وجدوا أنفسهم في قلبها دون اختيار.

ومع انطفاء آخر مقاومة، لم تأتِ يدٌ تجمع القتلى، ولم تصل سفينة تحمل رحمة أو دفنًا لائقًا. تُركت الأجساد حيث سقطت، في الأزقة الضيقة، وعلى عتبات البيوت، وبين الحقول التي كانت يومًا رمزًا للخصب. مرّ الزمن عليها كما يمرّ بصمتٍ بارد، حتى تحللت، وتفككت، وامتزجت بالتراب، وصارت عظام الموتى جزءًا من بنية الجزيرة نفسها، كأن الأرض ابتلعت تاريخ سكانها واحتفظت به في أعماقها. لم يعد بالإمكان أن تطأ قدمٌ شاطئ بوفيليا دون أن تطأ في الوقت ذاته بقايا بشر كانوا يومًا حياة كاملة.

بعد تلك المذبحة، انسحبت الجزيرة من الذاكرة اليومية للناس، وبقيت فقط في هامش الحكايات والهمسات. لقرون طويلة تلت، ظلت مهجورة تمامًا، لا يسكنها إلا الصمت والهواء المالح. كان البحّارة يغيّرون مسارهم قبل الاقتراب منها، والصيادون يتجنبون مياهها وكأنها ملوّثة بما لا يُرى. انتشرت عنها روايات غامضة، عن أصوات تُسمع دون مصدر، وعن إحساس ثقيل يخيّم على من يقترب، كما لو أن المكان لم يعد فراغًا، بل ذاكرة حيّة. حتى الطبيعة بدت وكأنها نأت بنفسها عنها، فلا نبات ينمو كما ينبغي، ولا حياة تستقر بثبات. وهكذا تحولت بوفيليا من جزيرة وُلدت من الهروب بحثًا عن الأمان، إلى أرضٍ يُشار إليها بوصفها حدًّا فاصلًا بين عالم الأحياء وشيءٍ آخر لا اسم واضح له، جزيرة لم تعد تُرى كمكان، بل كأثرٍ مفتوح لموتٍ لم يُغلق بابه أبدًا.

العصر الحديث: المستشفى والمقبرة الجماعية

مع دخول القرن الثامن عشر، عادت بوفيليا إلى الظهور من هامش الخرائط، لا بوصفها مكانًا للحياة، بل كحلٍّ أخير لمخاوف الدولة. ففي عام 1777، اتخذت السلطات الإيطالية قرارًا بإعادة توظيف الجزيرة، فشُيّدت عليها مبانٍ حجرية معزولة، وحُوّلت إلى مستشفى للأمراض النفسية ومحطة حجر صحي للأوبئة المعدية. كان الهدف المعلن هو العزل والحماية، حماية المدن من العدوى، وحماية المجتمع من أولئك الذين لم يعد لهم مكان بين الناس. وهكذا بدأت قوارب جديدة تصل إلى شواطئ الجزيرة، لا تحمل مستوطنين، بل مرضى، ووجوهًا شاحبة، وأجسادًا واهنة، وأرواحًا مثقلة بالخوف والارتباك. كان القادمون يُنزَلون بصمت، وتُغلَق خلفهم المياه، كما لو أن البحر نفسه صار جدارًا لا يُقصد عبوره إلا في اتجاه واحد.

ثم جاء عام 1793، العام الذي غيّر كل شيء، حين اجتاح الطاعون أوروبا مثل ظلٍّ أسود لا يُرى له نهاية. المدن اختنقت بالموت، والبيوت امتلأت بالغياب، ولم تعد المقابر قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الضحايا. عندها عادت بوفيليا إلى الواجهة، لا كمستشفى هذه المرة، بل كمصير. صدرت الأوامر بتحويل الجزيرة إلى مقبرة جماعية، أرض يُنقل إليها الموتى بالجملة، بعيدًا عن الأحياء، بعيدًا عن العيون، بعيدًا عن الذاكرة اليومية. بدأت السفن تصل تباعًا، محمّلة بجثث ملفوفة على عجل، بلا أسماء، بلا وداع، بلا طقوس تليق بما كانت عليه تلك الأجساد من حيوات.

كانت الشواطئ تمتلئ، ثم الساحات، ثم الحفر الواسعة التي لم تُحفر لتحتوي فردًا، بل أعدادًا. تشير السجلات إلى أن أكثر من مئة وستين ألف إنسان وُوروا تراب بوفيليا في تلك الحقبة، رجالًا ونساءً وأعدادًا كبيرة من الأطفال الذين لم تمنحهم الحياة وقتًا ليعرفوا منها شيئًا. كانت الجثث تُلقى وتُغطّى، ثم تُلقى غيرها فوقها، حتى لم يعد الفصل ممكنًا بين طبقة وأخرى، بين زمن وزمن، بين جسد وجسد. شيئًا فشيئًا، لم تعد الجزيرة مجرد مكان للدفن، بل صارت كتلة كثيفة من بقايا البشر، أرضًا تشكّلت من الرماد والعظام كما تشكّلت من الطين.

في تلك السنوات، لم تكن بوفيليا مستشفى بالمعنى الطبي، ولا مقبرة بالمعنى المعروف، بل منطقة فاصلة بين عالمين، يُرسَل إليها من خرجوا من حسابات النجاة. كانت القوارب تغادر محمّلة بالموتى، وتعود فارغة، بينما تبقى الجزيرة هناك، صامتة، تستقبل ما لا تستطيع المدن احتماله. ومع انحسار الطاعون، لم تنحسر آثار ما حدث. بقيت بوفيليا محتفظة بما أُلقي فيها، ليس في ترابها فقط، بل في صورتها في الوعي الجمعي، جزيرة لم تعد تُرى كمكان على البحر، بل كذاكرة متراكمة لقرون من المرض والعزل والموت، طبقات من القصص التي لم يُكتب لها أن تُروى إلا همسًا.


المفارقة التي أحاطت ببوفيليا في تلك المرحلة كانت أقسى من أن تُقال مباشرة. الجزيرة التي أُعلن أنها مكان للعلاج والعزل الصحي لم تكن في نظر كثير ممن أُرسلوا إليها سوى محطة أخيرة قبل الاختفاء. القوارب التي كانت تصل محمّلة بالمرضى كانت في الغالب لا تعود بأصحابها، ومع مرور الوقت ترسّخ في الوعي أن الدخول إلى بوفيليا لا يعني بداية شفاء، بل اقتراب نهاية. كان المرضى يُنزلون إلى مبانٍ باردة، تحيط بها رائحة البحر والمطهرات البدائية، لكن ما يلبث أن يختفي كثيرون منهم من السجلات ومن النداءات اليومية، حتى صار الصمت نفسه جزءًا من روتين المكان.

تذكر بعض الروايات التاريخية المعاصرة لتلك الفترة أن من كانت حالتهم تُعد ميؤوسًا منها لم يُترك لهم انتظار الموت وحده. تتحدث هذه المصادر عن محارق أُقيمت على الجزيرة، وعن أجساد كانت تُحرق بسرعة، أحيانًا قبل أن يتأكد الأطباء من أن أصحابها قد فارقوا الحياة تمامًا. لا تَرِد هذه الشهادات في صيغة قصص شعبية فقط، بل في كتابات أطباء ومؤرخين أشاروا إلى أن الخوف من العدوى، وضغط الأعداد، والعجز عن السيطرة على الوباء، دفع السلطات إلى قرارات قاسية جعلت من الجزيرة مصنعًا للتخلص من المرض بقدر ما كانت مكانًا لمحاولة علاجه. في هذا المناخ، اختلط الطب باليأس، وتحول العلاج إلى طقس إداري بارد، لا يرى في الجسد سوى خطر يجب إنهاؤه.

ومع تراكم هذه المآسي، بدأت تظهر حكايات أخرى، لا تسكن السجلات الرسمية بل هوامشها. كتب بعض المؤرخين عن شهادات متكررة لسكان وعاملين ومرضى قالوا إنهم رأوا ظلالًا تتحرك في أروقة المستشفى، أو سمعوا أصواتًا لا يُعرف لها مصدر. كانت أكثر الروايات تداولًا تتحدث عن أطفال، عن همسات خافتة وضحكات بعيدة تُسمع في أماكن يُفترض أنها خالية، وعن إحساس دائم بأن المكان ليس فارغًا كما يبدو. لم تُسجَّل هذه الظواهر بوصفها حقائق علمية، بل كجزء من المناخ النفسي الذي ساد الجزيرة، حيث الخوف والعزلة والموت اليومي يصنعون واقعًا تتداخل فيه الحقيقة مع الهذيان.

هكذا لم تعد بوفيليا مجرد مستشفى أو محطة حجر صحي، بل تحولت في ذاكرة من مرّوا بها إلى بيت للموت، مكان يتساوى فيه المريض مع الضحية، والعلاج مع النهاية. ومع كل جسد كان يُحمل بعيدًا، كانت الجزيرة تزداد ثِقَلًا، لا بما دُفن في أرضها فقط، بل بما ترسّخ في قصصها، كأنها لم تعد أرضًا تستقبل البشر، بل ذاكرة مفتوحة لكل من أُرسل إليها ولم يُكتب له أن يعود.


في عام 1814، وفي لحظة كان فيها البحر الأدرياتيكي يعجّ بحركة الأساطيل وتقلبات السياسة والحرب، وجّه نابليون بونابرت نظره إلى بوفيليا لا بوصفها جزيرة منسية، بل كموقع يمكن أن يخدم أغراضه العسكرية. صدر القرار باستخدامها مستودعًا للأسلحة، مكانًا معزولًا تُخزَّن فيه الذخائر بعيدًا عن المدن والمرافئ المزدحمة. أُرسلت وحدات من الجنود إلى الجزيرة، ومعهم أوامر واضحة بتنظيفها، بإزالة ما تبقى من آثار الدمار والموت، وبتهيئة مبانيها المهجورة لتتحول إلى منشآت عسكرية صامتة تؤدي وظيفتها دون لفت الانتباه.

وصل الجنود إلى بوفيليا بعقلية الجيوش التي اعتادت الخرائب والميادين القاسية. بدؤوا عملهم في تفريغ المباني، وإحراق المخلفات، وتسوية بعض المقابر السطحية التي لا تزال بقاياها ظاهرة. كان الهدف أن تُمحى الذاكرة المرئية للمكان، أن يبدو كجزيرة يمكن إعادة استخدامها دون أن يحمل ترابها ما يشير إلى ما كان هنا من قبل. غير أن ما دوّنه بعض هؤلاء الجنود لاحقًا في مذكراتهم الشخصية رسم صورة مختلفة تمامًا عن جزيرة خضعت بسهولة لأوامر الإمبراطور.

تصف تلك المذكرات ليالي طويلة كان الصمت فيها أثقل من صوت البحر، ليالي كان الجنود يسمعون خلالها أصواتًا غريبة تتردد بين المباني الفارغة، خطوات لا يُرى أصحابها، واحتكاكات معدنية لا تتوافق مع مواقع الأسلحة المخزنة. كتب بعضهم عن ظلال كانت تتحرك عند أطراف المعسكر ثم تختفي قبل أن يقترب منها أحد، وعن أبواب وفتحات كانوا متأكدين أنهم أغلقوها بإحكام ثم يجدونها مفتوحة دون تفسير. والأكثر تكرارًا في هذه الشهادات كان الإحساس الدائم بالمراقبة، شعور لا يرتبط بوجود عدو واضح، بل بثقل غير محدد يجعل الجنود يتجنبون البقاء وحدهم، حتى في وضح النهار.

مع مرور الوقت، لم تعد هذه الظواهر تُعامل كتوتر عابر في مكان معزول. بدأت تؤثر على الانضباط، على النوم، وعلى استعداد الجنود للبقاء في الجزيرة. سجّل بعض الضباط مشاكل غير مبررة في تنفيذ المهام، حالات هلع مفاجئة، ونوبات قلق جماعية لا يمكن ردّها إلى سبب عسكري مباشر. ورغم محاولات القيادة الحفاظ على النظام، فإن تكرار الحوادث وما صاحبها من اضطراب في صفوف الجنود جعل وجود الجيش في بوفيليا عبئًا بدل أن يكون ميزة.

في النهاية، صدر القرار بإخلاء الجزيرة مرة أخرى. نُقلت الأسلحة، وغادرت الوحدات كما جاءت، تاركة خلفها مباني لم تكتمل تهيئتها، وسجلات رسمية مقتضبة لا تشير إلا إلى أن الموقع لم يعد مناسبًا للاستخدام. أما ما بقي، فظل محفوظًا في المذكرات الشخصية والرسائل الخاصة، حيث تظهر بوفيليا لا كقاعدة عسكرية فاشلة فحسب، بل كمكان قاوم محاولة تحويله إلى وظيفة جديدة، جزيرة بدت في تلك الشهادات وكأنها تحتفظ بشيء لا يمكن تنظيفه ولا تخزينه ولا إخضاعه للأوامر.

 المستشفى النفسي: حيث رأى الأطباء الأشباح

في عام 1922، وبعد عقود طويلة من الصمت، عادت بوفيليا لتدخل سجلات الدولة من جديد. أُرسلت فرق لإصلاح ما تهدّم من مبانيها، ورُممت الجدران القديمة، وبُني مستشفى حديث نسبيًا خُصص لعلاج الأمراض النفسية والعصبية. في الوثائق الرسمية، بدا المشروع وكأنه محاولة لإعادة تعريف الجزيرة، لانتزاعها من تاريخها الثقيل، ومنحها وظيفة إنسانية عقلانية. وُعد الأطباء والممرضون بحماية مشددة، وببيئة عمل معزولة وآمنة، بعيدة عن ضجيج المدن، قريبة من البحر والهواء النقي. كان التصور أن العزلة ستساعد على العلاج، وأن الهدوء سيكون جزءًا من الدواء.

في الأسابيع الأولى، سارت الحياة داخل المستشفى وفق هذا التصور. نوبات علاج، جولات طبية، تقارير تُكتب بدقة، ومحاولات لإعادة النظام إلى عقول أنهكها الاضطراب. لكن شيئًا آخر بدأ يتسلل إلى اليوميات. المرضى أخذوا يتحدثون عن أشياء لا تُرى في وضح النهار. عن ظلال تظهر قرب الأسرة ليلاً، عن همسات توقظهم بأسمائهم، عن أشياء تُقذف من زوايا الغرف دون أن يكون هناك أحد. في البداية، سُجلت هذه الشكاوى كما تُسجل أعراض الهلوسة المعتادة، جزءًا متوقعًا من عالم الأمراض النفسية. كان التفسير الطبي حاضرًا وجاهزًا، وكانت بوفيليا، بتاريخها، مكانًا مثاليًا لإسقاط مخاوف المرضى عليه.

لكن مع مرور الوقت، بدأت المسافة تضيق بين ما يقوله المرضى وما يختبره العاملون أنفسهم. بعض الأطباء كتبوا في تقاريرهم عن سماع أصوات في أروقة مغلقة، وعن وقع خطوات في مبانٍ يعلمون أنها فارغة. آخرون أشاروا إلى أصوات قادمة من جهة البحر ليلًا، لا تشبه حركة الأمواج ولا صوت الريح، بل أقرب إلى نداءات بعيدة لا يمكن تحديد مصدرها. ثم جاءت الروايات الأكثر إرباكًا، عن أنوار غريبة كانت تُرى وهي تدور حول الجزيرة في ساعات متأخرة، تظهر ثم تختفي دون تفسير تقني واضح.

الأكثر اضطرابًا في تلك السجلات كان ما دوّنه بعضهم عن مشاهداتهم لأشخاص يقفزون من أسوار الكنيسة أو من أعلى المباني. كانوا يرون السقوط بأعينهم، يسمعون الارتطام، فيُطلقون الإنذار وتبدأ عمليات البحث مع أول ضوء للصباح. لكن في كل مرة، كانت النتيجة واحدة. لا أثر، لا جسد، لا دماء، ولا أي علامة تدل على أن ما شوهد ليلًا قد وقع فعلاً. بقيت هذه الحوادث معلقة في التقارير، مكتوبة بلغة متحفظة، بلا استنتاجات حاسمة، لكنها حاضرة بما يكفي لتهز الثقة في أن ما يجري يمكن احتواؤه بالكامل ضمن إطار المرض.

هكذا وجد الأطباء أنفسهم في موقع لم يتوقعوه. جاؤوا إلى الجزيرة لمعالجة الاضطراب، فإذا بهم يواجهون واقعًا بدأ يربك أدواتهم نفسها. لم تعد بوفيليا مجرد مستشفى منعزل، بل فضاءً يتقاطع فيه العلم مع شيء آخر لم يكن له اسم واضح في السجلات. ومع كل تقرير جديد، كانت الجزيرة تستعيد دورها القديم، لا كمكان للعلاج فقط، بل كمسرح لتجارب إنسانية تقف على الحافة بين الملاحظة الطبية والشعور بأن هناك ما يتجاوزها.


بلغت حكاية بوفيليا ذروتها الأكثر قتامة مع القصة التي ظلّت تتردد في الشهادات والكتابات بوصفها اللحظة التي انكسر فيها آخر وهم بإمكانية السيطرة على ما يحدث داخل الجزيرة. كان أحد الأطباء المقيمين قد جاء إليها بسجل مهني عادي، رجلًا درس الطب النفسي ليُعيد النظام إلى عقول مضطربة، لا ليغوص في ظلمة أخرى. في بداياته داخل المستشفى، لم يلفت الانتباه أكثر من غيره، كان يؤدي عمله، يدوّن ملاحظاته، ويشارك زملاءه نوبات المراقبة الطويلة. لكن مع مرور الأشهر، بدأ اسمه يتردد في سياق مختلف، همسًا أولًا، ثم قلقًا واضحًا بين العاملين.

لاحظ الممرضون اختفاء بعض المرضى الذين كانوا تحت إشرافه المباشر. في البداية سُجّل الأمر على أنه وفيات متوقعة في مكان يضم حالات شديدة التعقيد. لكن تفاصيل صغيرة راحت تتراكم، جروح غير مبررة، غرف تُغلق لفترات أطول من المعتاد، ورائحة مواد لا تُستخدم عادة إلا في التشريح. وعندما فُتحت بعض الأبواب التي لم يكن يُفترض أن تُفتح، انكشف مشهد لا يشبه أي إجراء طبي معروف. كشفت التحقيقات الداخلية أن الطبيب لم يكتفِ بإهمال المرضى أو إساءة معاملتهم، بل مارس عليهم تعذيبًا ممنهجًا، وأجرى عمليات تشريح وهم على قيد الحياة في بعض الحالات، كما لو أن المستشفى تحوّل بين يديه إلى مختبر مظلم يتجاوز كل حدود الطب.

عندما وُوجه بما كُشف، لم ينكر أفعاله بالطريقة المتوقعة، بل قدّم تفسيرًا زاد القصة قتامة. بحسب ما نُقل في محاضر التحقيق، قال إن أشباحًا كانت تظهر له ليلًا داخل المباني وفي محيط الكنيسة القديمة، أشباحًا تناديه وتذكر له أسماء محددة وتطالبه بقتل أصحابها. تحدث عن أصوات لا تترك له مجالًا للنوم، وعن وجوه يراها في الظلام ثم تختفي، وعن شعور بأنه مجرد أداة لتنفيذ ما يُطلب منه. لم تُسجَّل هذه الأقوال بوصفها اعترافات غيبية، بل كجزء من انهيار نفسي حاد، لكن وقعها في مكان له هذا التاريخ جعلها أكثر ثقلاً من أن تُقرأ كمجرد هذيان.

لم تصل القصة إلى محكمة. قبل أن تُستكمل الإجراءات، وُجد الطبيب قد فارق الحياة بعد أن سقط من برج الكنيسة. سُجّل الحادث رسميًا على أنه انتحار، قفزة أخيرة من أعلى نقطة في الجزيرة إلى صمتها السفلي. لكن حتى هذه النهاية لم تُغلق الملف في الذاكرة الجماعية للمستشفى. بعد ذلك بمدة، بدأت تقارير غير رسمية تتحدث عن أن بعض الأطباء والعاملين صاروا يرون ظلًا على مقربة من البرج، أو شخصًا يقف في الممرات يشبه ذلك الطبيب، ثم يختفي قبل الاقتراب منه. لم تُثبت هذه الروايات في سجلات علمية، لكنها انتشرت في الشهادات الشفهية والمذكرات الخاصة، وأضافت طبقة جديدة من القلق إلى مكان كان مثقلًا أصلًا.

مع تراكم هذه الأحداث، ومع العجز عن استعادة شعور بالأمان داخل الجزيرة، اتُّخذ القرار بإغلاق المستشفى نهائيًا. خرج آخر العاملين، وأُغلقت الأبواب التي فُتحت على أمل العلاج، لتعود بوفيليا مرة أخرى إلى صمتها الطويل. بقيت قصة ذلك الطبيب جزءًا لا ينفصل عن حكاية الجزيرة الحديثة، ليس لأنها حكاية قاتل فحسب، بل لأنها مثلت اللحظة التي بدا فيها أن بوفيليا لم تعد مجرد مكان تُسقط عليه المآسي، بل فضاءً تتكاثف فيه إلى درجة تُغيّر من يدخله.


مع دخول القرن الحادي والعشرين، بدت بوفيليا وكأنها فقدت قدرتها حتى على البقاء منسية. ففي عام 2014، عادت الجزيرة إلى واجهة الاهتمام الرسمي مرة أخرى، لكن هذه المرة بلغة الاقتصاد والسياحة لا بلغة الحجر الصحي أو الطب. أعلنت الحكومة الإيطالية عن عرض لتأجير الجزيرة لمدة تسعة وتسعين عامًا، في محاولة لتحويلها إلى منتجع سياحي فاخر يعيد إدماجها في الحياة المعاصرة. على الورق، بدا المشروع بسيطًا إعادة تأهيل المباني القديمة إنشاء مرافق حديثة تحويل العزلة إلى ميزة تجذب الزوار الباحثين عن الهدوء والفرادة. لكن ما كُتب في العروض الاستثمارية كان شيئًا وما دوّنه الذين وطأت أقدامهم الجزيرة كان شيئًا آخر تمامًا.

وصلت الوفود تباعًا مهندسون ومستثمرون وخبراء تقييم يتجولون بين الأطلال والكنيسة والبرج والممرات التي ابتلعها الصدأ والرطوبة. في البداية، كانت التقارير تقنية بحتة تتحدث عن التربة والرطوبة وتكاليف الترميم. لكن بعد أيام قليلة، بدأت لغة مختلفة تتسلل إلى الملاحظات الشخصية والرسائل غير الرسمية. بعض الزائرين كتبوا عن إحساس ثقيل يلازمهم منذ اللحظة الأولى، عن صمت لا يشبه أي صمت آخر. ثم ظهرت روايات أكثر وضوحًا عن سماع أصوات بكاء خافت في مبانٍ مهجورة، وعن أنين يأتي مع الريح وكأنه خارج من الجدران نفسها. آخرون تحدثوا عن ظلال تتحرك عند أطراف الرؤية، وعن أشكال بشرية بدت لهم حقيقية تمامًا، لدرجة أن بعضهم أقسم أنه تبادل نظرات أو كلمات قصيرة مع أشخاص قابلوهم في الجزيرة.

الأكثر إرباكًا في هذه الشهادات أن أصحابها أكدوا أنهم التفتوا لاحقًا للبحث عن أولئك الذين ظنوا أنهم عمّال أو حراس أو سكان مؤقتون، ليكتشفوا أنه لا يوجد أحد مقيم في الجزيرة أصلًا. لا سجلات إقامة ولا طواقم ثابتة ولا أي وجود بشري دائم. كانت الجزيرة، وفق الوثائق الرسمية، خالية تمامًا. ومع ذلك، تكررت روايات اللقاءات، وتكررت معها الأصوات والمشاهدات. لم تُكتب هذه الأمور في التقارير النهائية التي رُفعت إلى الجهات الرسمية، لكنها انتشرت بين الفرق التي زارت المكان، وتحوّلت سريعًا إلى سبب غير معلن لتراجع الحماسة وانسحاب الشركات الواحدة تلو الأخرى.

وهكذا فشلت محاولة الإحياء كما فشلت محاولات سابقة، وعادت بوفيليا إلى وضعها القديم جزيرة مغلقة عمليًا، حاضرة في الأخبار لفترة قصيرة، ثم غائبة في الواقع. بقيت هناك، مبانيها المتآكلة تواجه البحر، وبرج كنيستها يعلو فوق أشجار برية، كأنها شاهد صامت على طبقات متراكمة من القصص التي لم تنتهِ أبدًا.

اليوم، تُذكر بوفيليا بوصفها واحدة من أكثر الأماكن غموضًا ورعبًا في العالم، جزيرة يلتقي فيها تاريخ موثق بالمجازر والأوبئة والعزل مع روايات لا تزال حتى الآن بلا تفسير قاطع. هل هي مجرد أرض مشبعة بمآسٍ إنسانية انعكست في ذاكرة من يقترب منها حتى صارت تُنتج هذا الإحساس الطاغي بالرهبة أم أن هناك بالفعل شيئًا آخر ظل عالقًا بها عبر القرون لا يظهر في السجلات بل في التجربة المباشرة لمن تطأ أقدامهم ترابها.

وهنا، عند هذا الحد، تترك بوفيليا قصتها مفتوحة كما كانت دائمًا، لا تمنح جوابًا نهائيًا، بل تكتفي بأن تقف على تخوم السؤال، وتدع كل من يسمع حكايتها يختار التفسير الذي يستطيع احتماله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

🛳️ قصة أسرار السفينة الغامضة… واكتشاف لم تكن ياسمين تتوقعه!

#قصة_الرجل_الذي_سرق_المال_من_أخيه 😨💸 #قصة_مؤثرة عندما تدمر الغيرة كل شيء