قبو الرعب البلجيكي: كيف كشفت أفظع القضايا عن فساد النخبة وتواطؤ الدولة؟
في مجتمعاتنا، نسمع كثيراً عن "نخبة" تتحكم في مفاصل الدولة، وعن جرائم تُرتكب في الخفاء ولا يصل صوتها إلى العامة. ماذا لو أخبرتك أن هذه ليست مجرد نظريات مؤامرة، بل حقيقة مروعة كُشف النقاب عنها في إحدى أكثر دول أوروبا تقدمًا؟ هل تعلم أن هناك قضية واحدة هزت أركان بلجيكا، وكشفت أن ما يُقال عن شبكات الجريمة المنظمة بين أصحاب النفوذ قد يكون أقرب إلى الحقيقة مما نتصور؟ هذا بالضبط ما حدث في قضية "قبو الرعب" التي سنحكيها لكم اليوم، قضية تثبت أن الفساد قد يصل إلى حد التواطؤ في اختطاف الأطفال وقتلهم.
الفصل الأول: بداية الكابوس – سلسلة اختفاءات غامضة
في تسعينيات القرن الماضي، لم تكن بلجيكا تبدو بلدًا يصلح لولادة كابوس. شوارع هادئة، حدائق عامة مليئة بالأطفال، مدارس مفتوحة، ووجوه أوروبية مطمئنة تعيش على إيقاع رتيب. لكن تحت هذا الهدوء… كان شيء ما يتحرك. شيء لا يُرى، ولا يُسمع، ولا يُفهم.
بدأت البلاغات تتسلل إلى مراكز الشرطة واحدًا تلو الآخر. طفل لم يعد من المدرسة. فتاة خرجت لشراء غرض بسيط ولم ترجع. مراهقة اختفت في طريق قصير يفترض ألا يستغرق خمس دقائق. وفي كل مرة، كانت الإجابة جاهزة، محفوظة، باردة:
“هربوا من البيت.”
كأن المدينة كلها اتفقت على جملة واحدة لتدفن بها خوفها.
لكن العائلات لم تكن ترى “هروبًا”. كانت ترى أسرّة لم تُنَم، حقائب بقيت في أماكنها، ألعابًا على الأرض، ووجوهًا صغيرة خرجت ولم تأخذ معها حتى معطفها.
الشرخ الحقيقي في القصة حدث يوم 24 يونيو 1995.
يومها، خرجت طفلتان: جولي وميليسا. ثماني سنوات فقط. ذهبتا إلى حديقة عامة. مكان يفترض أنه الأكثر أمانًا في أي مدينة. أراجيح، دراجات صغيرة، ضحكات أطفال، وأمهات يجلسن على المقاعد.
لم تعودا.
مرّت الساعات. الشمس مالت. الحديقة فرغت. وبقي مكانان فارغان لا يعرفان لماذا لم يمتلئا.
عندما أبلغ الأهل الشرطة، لم يقابلهم رعب… بل ضجر. نظرات متشككة. أسئلة باردة. ثم الجملة نفسها، كأنها ختم يُوضع على الجبهة:
“غالبًا هربوا.”
كأن طفلتين في الثامنة قررتا فجأة أن تختفيا من العالم.
سُخر من خوف الأهل. طُلب منهم الانتظار. طُلب منهم الهدوء. وكأن الوقت لا يعني شيئًا عندما يختفي طفل.
لكن الأهل لم ينتظروا.
خرجوا إلى الشوارع. طبعوا الصور. لصقوها على الجدران، أعمدة النور، واجهات المحلات، محطات القطار. أكثر من خمسة وعشرين ألف صورة خلال أيام. وجوه طفولية تبتسم من الورق، بينما أصحابها غائبون في مكان لا يعرفه أحد.
ظهروا في التلفزيون. في الإذاعات. في الصحف. لم يعودوا يطلبون المساعدة… كانوا يصرخون بها.
تحت ضغط الرأي العام، اضطرت السلطات للتحرك. ليس لأن الأدلة كانت قوية… بل لأن الصمت صار فاضحًا.
لكن بينما كانت المدينة لا تزال تبحث عن جولي وميليسا… كانت الأسماء الجديدة تُضاف إلى القائمة.
آن مارشال وإيف لومبريكس. فتيات عدن من حفلة. طريق عادي. ليلة عادية. ولم تصل أي منهما إلى بيتها.
سابرين. خرجت من المدرسة. حقيبتها على ظهرها. جدولها معروف. خطواتها محفوظة. ثم… لا شيء.
نفس النمط. نفس الغموض. نفس الأماكن العامة. نفس الطرق القصيرة التي لا يُفترض أن تبتلع أحدًا.
ونفس رد الفعل الرسمي.
تُسجَّل القضايا كـ“هروب من المنزل”.
أحيانًا، كانت الشرطة ترفض حتى فتح محاضر كاملة. كأن اختفاء طفل صار أمرًا إداريًا بسيطًا، لا جريمة محتملة. لا خطرًا داهمًا. لا كابوسًا يتكوّن.
لكن في بيوت الضحايا، لم يكن هناك “هروب”.
كان هناك صمت أثقل من الجدران. ساعات معلّقة لا تتحرك. هواتف لا ترن. وأمهات ينمن بملابس النهار… خوفًا من أن يطرق أحدهم الباب فجأة.
المدينة بدأت تشعر أن شيئًا غير طبيعي يحدث.
اختفاءات كثيرة… في زمن قصير… لفئة عمرية محددة… في ظروف متشابهة… بلا أثر… بلا شهود… وبلا استعجال رسمي.
لم يكن هذا بعد “ملف جرائم”.
كان… بداية إحساس جماعي بأن بلجيكا لم تعد تنام وحدها.
وأن هناك من يتجوّل في شوارعها… بينما الجميع ينظر في الاتجاه الخطأ.
الفصل الثاني: القبض على الوحش – مارك دوترو واكتشاف الزنزانة السرية
بعد الضحية السادسة… تغيّر شيء ما.
ليس في الشوارع فقط، بل داخل مكاتب النيابة نفسها. سلسلة الاختفاءات لم تعد مجرد “بلاغات متكررة”، بل صارت نمطًا واضحًا، وإحراجًا سياسيًا، وكابوسًا يهدد سمعة دولة كاملة.
في تلك اللحظة، دخل إلى المشهد رجل لم يكن يشبه من سبقوه:
جان مارك كونتيروت. مدعٍ عام عُرف داخل الأروقة بأنه عنيد، بارد، ولا يقبل الملفات الجاهزة. حين استلم القضية، لم يسأل: “هل هربوا؟”
سأل: “من يأخذهم؟ ولماذا؟”
وبعد أيام فقط، حدث أول اختراق حقيقي.
ظهر شاهد عيان. رجل عادي، لم يكن يبحث عن بطولة، لكنه لم يستطع أن ينسى ما رآه: شاحنة بيضاء، متوقفة قرب مكان اختفاء الطفلة الأخيرة ليتيسيا. سائقها كان يتصرف بتوتر مبالغ فيه، يراقب الطريق أكثر مما يراقب ما حوله. الشاهد لم يكتفِ بالانطباع… بل سجّل في ذاكرته تفاصيل: ملامح تقريبية، شكل الشاحنة، وثلاثة أرقام واضحة من لوحة التسجيل.
ثلاثة أرقام… كانت كافية لفتح أول باب حقيقي في هذا الجدار المغلق.
تتبّع الشرطة الخيط، ومن خلال سجلات المركبات، وصلوا إلى اسم لم يكن مجهولًا تمامًا:
مارك دوترو.
كهربائي عاطل عن العمل. يعيش حياة باهتة على الهامش. لكن ملفه الجنائي لم يكن باهتًا أبدًا.
اعتداءات.
اختطاف قاصرين.
قضايا سابقة انتهت بالسجن.
رجل خرج من السجون أكثر مما دخل سوق العمل.
حين داهمت الشرطة أحد منازله، لم يكن المشهد صاخبًا. لا مطاردة سينمائية. لا مقاومة كبيرة. كان رجلاً عادي الشكل، بارد العينين، يتحدث بصوت منخفض، ويُجيد لعب دور “الإنسان البسيط”.
لكن مع الساعات الأولى من التحقيق… بدأ القناع يتشقق.
كشفت الملفات أن دوترو لم يكن يعمل وحده.
كانت هناك شبكة صغيرة، قذرة، ومتشابكة:
ميشيل مارتن… زوجته. مدرسة ابتدائية. امرأة تقف كل صباح أمام أطفال، ثم تعود مساءً إلى بيت يخفي أطفالًا آخرين… في الأسفل.
ليفير… مدمن مخدرات، بلا استقرار، استُخدم كأداة.
برنار… شريك ثالث. انتهى مقتولًا على يد دوترو نفسه بعد خلاف بينهما. جريمة داخل الجريمة.
الرواية الرسمية الأولى قالت إن الدافع كان “الاعتداء الجنسي”. تفسير تقليدي، جاهز، حاول أن يحصر الوحشية في إطار مفهوم، حتى لو كان مظلمًا.
ثم… بدأوا يحفرون.
حرفيًا.
داخل أحد منازل دوترو، لاحظ المحققون شيئًا غريبًا في القبو. جدران سميكة على غير العادة. اختلاف بسيط في توزيع الهواء. أرضية لا تشبه باقي المنزل.
ومع أول كسر حقيقي… لم يخرج تراب.
خرج هواء بارد.
ورائحة لا تُنسى.
خلف جدار مُحكم، اكتُشفت غرفة.
ليست غرفة.
زنزانة.
قبو سري، بُني بعناية غير طبيعية. مساحة تقارب ثلاثة أمتار في ثلاثة. جدران عازلة. باب فولاذي. فتحات تهوية مخفية داخل البنية الخرسانية، مصممة بطريقة تجعل الصوت لا يخرج… والحرارة لا تُلفت… وحتى الكلاب البوليسية تعجز عن تحديد وجود بشر في الداخل.
كان المكان نظيفًا من حيث البناء… مرعبًا من حيث المعنى.
هنا لم يكن يُحتجز شيء.
هنا كان يُمحى بشر.
التحقيقات الأولية رسمت الصورة التالية:
أربع فتيات، بينهن جولي وميليسا، حُبسن في هذه الزنزانة.
وفي إحدى الفترات، أُودع دوترو السجن في قضية أخرى.
والقبو… تُرك مغلقًا.
وفق الرواية الرسمية:
الفتيات تُركن هناك.
بالظلام.
بالهواء المحسوب.
وبلا طعام.
وماتوا… جوعًا.
ضحيتان أخريان، تقول التحقيقات إنهما قُتلتا لاحقًا، ودُفنتا في حديقة أحد منازله، كأن الأرض نفسها صارت جزءًا من الجريمة.
عندما خرج خبر “الزنزانة” للإعلام… تغيّر كل شيء.
لم تعد بلجيكا تتحدث عن مختطفين.
كانت تتحدث عن بيت… يعيش فوقه الناس… وتحتَهُ… كانت تموت طفولة كاملة ببطء.
لم يعد السؤال:
“من فعل هذا؟”
بل صار:
“كيف بُني هذا؟
كيف لم يُسمع؟
وكيف… مرّ كل هذا الوقت… دون أن يرى أحد ما كان تحت أقدامهم؟”
الوحش صار له اسم.
لكن الإحساس العام لم يكن راحة.
كان بداية رعب… أعمق.
لأن هذا الاكتشاف لم يغلق القصة.
لقد فتح بابًا… لما هو أسوأ.
الفصل الثالث: ثقوب في الرواية الرسمية وأولى علامات التستر
في الأيام الأولى بعد القبض على مارك دوترو، حاولت الدولة أن تُغلق الملف بسرعة.
الوحش قُدِّم.
الزنزانة عُرضت على الكاميرات.
والقصة رُتّبت في قالب بسيط يمكن للناس أن يبتلعوه:
“مجرم منفرد. مهووس. حالة شاذة. انتهى الأمر.”
لكن المشكلة… أن الواقع لم يكن بهذا الانضباط.
كلما غاص الصحفيون، والمحامون، وعائلات الضحايا في التفاصيل، بدأت تظهر فراغات. ثقوب. لحظات صمت لا يملؤها أي تفسير منطقي.
أول ما أثار الريبة… لم يكن دوترو.
كان الشرطة.
منذ البداية، لم تكن البلاغات متفرقة على مدى سنوات طويلة. كانت متقاربة. مناطق محددة. أعمار متشابهة. طرق اختفاء متطابقة تقريبًا. ومع ذلك، عوملت كل حالة كجزيرة منفصلة. ملف يُغلق. بلاغ يُهمَل. وأهالٍ يُتهمون بالمبالغة.
لم تُبنَ قاعدة بيانات موحّدة.
لم يُرسم نمط رسمي.
لم تُطلق حملة وطنية مبكرة.
وكأن كل جهاز كان يعمل داخل فقاعة، أو… يتظاهر بذلك.
ثم جاءت النقطة التي كسرت ثقة كثيرين نهائيًا:
مارك دوترو… لم يكن اسمًا مجهولًا.
قبل هذه القضية بسنوات، كان قد أُدين بخطف واعتداء جنسي على خمس فتيات قاصرات. خمس. ليس ملفًا واحدًا غامضًا. بل نمطًا إجراميًا واضحًا، موثّقًا، ومسجّلًا في أرشيف الدولة.
منطقيًا، ومع أول سلسلة اختفاء لفتيات صغيرات… كان يجب أن يكون اسمه من أوائل الأسماء المطروحة.
لكنه لم يكن.
لم يُستدعَ.
لم يُراقَب.
لم يُستجوَب.
مرّت سنوات… وهو يعيش بحرية.
ثم ظهرت الفضيحة الأكبر.
دوترو كان محكومًا بـ 13 سنة سجن.
لكنه خرج بعد ثلاث سنوات فقط.
ثلاث سنوات… مقابل سجل اعتداءات على أطفال.
قرار الإفراج لم يكن قضائيًا تقنيًا فقط. كان عفوًا عامًا وقّعه وزير العدل نفسه آنذاك. والأخطر أن هذا الإفراج تم رغم تقارير واضحة من طبيب نفسي ومدعٍ عام يؤكدان أن الرجل “خطر شديد” واحتمالية عودته للجريمة “مرتفعة للغاية”.
التقارير أُهملت.
والرجل خرج.
لكن القصة لم تتوقف عند الإهمال.
لأن دوترو، بعد خروجه، لم يُترك فقط حرًا.
كان مدعومًا.
تقاضى معاشًا شهريًا حكوميًا.
حصل على وصفات طبية رسمية لأدوية مخدِّرة قوية، بدعوى معاناته من الأرق.
نفس الأدوية… التي ستظهر لاحقًا في التحقيق… باعتبارها الوسيلة التي كان يُخدّر بها ضحاياه.
وهنا، لم يعد السؤال: “كيف لم تراقبوه؟”
بل صار:
“كيف كنتم… تموّلونه؟”
ثم بدأت البلاغات التي لا يمكن تبرير تجاهلها.
لم تكن شائعات من بعيد.
كانت صرخات من الداخل.
والدته نفسها… اتصلت أكثر من مرة بالشرطة. قالت بوضوح إن ابنها يخطف فتيات ويحتجزهن في بيته. لم تقل “أخشى”. قالت “يفعل”.
جيران… أبلغوا عن أطفال يدخلون منزله ولا يُرون بعدها. حركة غير طبيعية. أصوات. توقيتات غريبة.
مخبر… تقدّم بإفادة أخطر من كل ذلك. قال إن دوترو عرض عليه مبلغًا بين 3000 و5000 دولار مقابل خطف فتيات. وأخبره صراحة أنه يبني قبوًا سريًا.
بلاغ يحتوي على:
اسم.
جريمة محددة.
مكان.
وبناء سري.
ومع ذلك… لم يُداهم المنزل.
لم تُراقَب تحركاته بجدية.
لم يُفتَّش القبو في حينه.
كل هذه الخيوط… كانت موجودة.
ولم تُسحب.
عند هذه النقطة، لم يعد الجمهور يتحدث عن “فشل”.
كان يتحدث عن شيء أثقل.
عن منظومة لا تريد أن ترى.
أو ترى… وتختار الصمت.
تحت ضغط الشارع، والغضب الإعلامي، والتناقضات التي لم تعد قابلة للدفن، اضطر البرلمان البلجيكي إلى التدخل.
شُكّلت لجنة تحقيق برلمانية خاصة.
لم تكن لجنة رمزية.
استمعت لعشرات الشهادات.
راجعت آلاف الصفحات.
فتحت أرشيفات مغلقة.
وعندما صدر تقريرها… لم يكن دبلوماسيًا.
قال بوضوح:
هناك تستر حقيقي.
هناك إهمال جسيم منظّم.
هناك فشل ذريع في الشرطة المحلية، والشرطة القضائية، والأجهزة الوطنية.
وطالب التقرير باستقالة المدعي العام في بروكسل، وبإصلاحات جذرية في بنية أجهزة الأمن والتحقيق.
لكن رغم قوة الكلمات… كان الإحساس العام أخطر من أي تقرير:
إذا كان هذا قد حدث في قضية أطفال…
ومع كل هذه البلاغات…
وكل هذه الملفات…
وكل هذه الفرص…
فماذا أيضًا… مرّ دون أن يُرى؟
في هذه اللحظة، لم تعد قصة دوترو مجرد جريمة.
صارت مرآة.
مرآة تعكس دولة كاملة… وهي تُجبر على النظر إلى نفسها لأول مرة.
الفصل الرابع: كسر جدار الصمت – شهادة ريجينا لوف وانفجار الغضب الشعبي
حتى هذه اللحظة، كان الرعب له شكل واحد:
مارك دوترو.
قبو.
جرائم يمكن — نظريًا — حصرها داخل عقل “مجرم”.
لكن في عام 1998… تغيّر شكل الرعب.
لم يعد له وجه واحد.
صار شبكة.
في ذلك العام، تقدّمت امرأة تبلغ من العمر 33 سنة إلى المحققين. لم تدخل وهي تصرخ. لم تطلب شهرة. دخلت باسم مستعار في البداية: “إكس”.
لاحقًا، عُرفت باسمها الحقيقي: ريجينا لوف.
شهادتها لم تكن عن دوترو فقط.
كانت عن عالم كامل… قالت إنه كان يعمل في الظل.
قالت ريجينا إنها حين كانت في الثانية عشرة من عمرها، لم تكن “تهرب من البيت”.
كانت — حسب روايتها — تُؤجَّر.
اتهمت أسرتها بأنها كانت تسلّمها لرجل يُدعى “توني فان”، اسم معروف للشرطة في قضايا أخلاقية سابقة. ووفق أقوالها، لم يكن يأخذها إلى بيوت عادية، بل إلى “حفلات خاصة”… مغلقة… لا يدخلها الغرباء.
حفلات — كما وصفت — للنخبة.
قضاة.
محققون.
سياسيون.
رجال أعمال.
وأسماء قالت إنها كانت تُقدَّم لها على أنها “فوق المساءلة”.
قالت إن تلك الحفلات لم تكن مجرد اعتداءات، بل جزء من شبكة منظّمة لاستغلال الأطفال، ذات طقوس، وتسلسل هرمي، وأدوار موزعة.
الأخطر في شهادتها… أنها أعادت دوترو إلى الصورة، لكن في موقع مختلف.
قالت إنها تعرفت على مارك دوترو هناك.
ليس بوصفه “العقل المدبّر”… بل بوصفه “الحارس”.
الرجل الذي يراقب.
ينقل.
يحرس الأطفال.
ويعيد من يبقى منهم.
وادّعت أن كثيرًا من الأطفال لم يكونوا يعودون أصلًا.
تحدثت عن ضحايا — حسب قولها — كانوا يُقتلون في نهاية تلك الحفلات. وربطت ذلك بطقوس وصفتها بالشيطانية، وبممارسات قالت إن المشاركين كانوا يعتقدون أنها تمنحهم “القوة” أو “إكسير الحياة”.
كلامها كان صادمًا إلى درجة جعلت كثيرين يرفضونه فورًا.
لكن ما جعل قصتها لا تُدفن بسهولة… لم يكن وصف الطقوس.
بل التفاصيل.
ريجينا لم تتكلم بلغة عامة.
قدّمت أسماء.
منازل.
غرفًا.
ممرات.
أماكن قالت إن جثثًا دُفنت فيها.
وُجّهت أقوالها إلى محقق يُعرف بنزاهته: رودي هوسكنز.
بدأ الرجل بالتحقق.
زار بعض الأماكن التي وصفتها.
راجع سجلات.
اختبر معرفتها بالتفاصيل المعمارية.
لاحقًا، قال جملة صارت شهيرة في الصحافة البلجيكية:
“أنا متأكد مليون في المئة أنها كانت في تلك الأماكن.”
لم يقل إنه متأكد من تفسيرها لكل ما حدث.
لكنه قال إنه متأكد من وجودها هناك.
وهنا… بدل أن تتوسع التحقيقات… انكسرت.
أول صدمة:
إبعاد القاضي جان مارك كونتيروت — نفس الرجل الذي أعاد فتح ملف الاختفاءات — من القضية.
السبب الرسمي: “تحيزه للضحايا”.
التهمة غير المسبوقة: أنه شارك في حملات البحث عن الأطفال، وبالتالي “فقد حياده”.
القاضي لم يختفِ بصمت.
خرج للإعلام لاحقًا وقال إنه تعرض لضغوط هائلة، وتهديدات غير مباشرة، واضطر للتنقل بسيارات مصفحة وتحت حراسة.
وقال جملته الثقيلة:
“منذ تأسيس بلجيكا… لم يتعرض قاضٍ لما تعرضت له.”
ثم جاءت الضربة الثانية.
عندما حاول فريق تحقيق تابع للشرطة تتبع أحد المواقع التي ذكرتها ريجينا، والمتعلقة بفتاة قالت إن اسمها “كريسي” وقد دُفنت في مكان محدد…
لم يُدعَّم الفريق.
تم حلّه بالكامل.
وفُصل جميع أفراده من العمل.
فريق كامل… اختفى إداريًا.
لا بيان مقنع.
لا نتائج معلنة.
ولا استمرار للتحقيق في ذلك المسار.
في هذه اللحظة، لم يعد الغضب مقتصرًا على عائلات الضحايا.
انتقل إلى الشارع.
الناس لم يعودوا يسألون:
“ماذا فعل دوترو؟”
صار السؤال:
“من لا يريد أن نعرف؟”
وجاء الرد الشعبي على شكل مشهد لم تعرفه بلجيكا من قبل.
المسيرة البيضاء
في 20 أكتوبر 1996، خرجت بروكسل عن سيطرتها.
مئات الآلاف — 350 ألفًا رسميًا، وبعض التقديرات قالت أكثر من نصف مليون — نزلوا إلى الشوارع.
رجال.
نساء.
أطفال.
عائلات كاملة.
يرتدون الأبيض.
لون البراءة.
لون الأكفان.
لون رسالة واحدة: “كفى.”
لم تكن مظاهرة حزبية.
ولا أيديولوجية.
كانت مسيرة اتهام.
اتهمت الشرطة.
اتهمت القضاء.
اتهمت الدولة.
المدينة تعطلت.
الشوارع امتلأت بصور الضحايا.
بالشموع.
بالدموع.
كان صمت مئات الآلاف أعلى من أي هتاف.
لأول مرة، لم يعد الغضب هامسًا.
صار جسدًا بشريًا ضخمًا… يمشي.
لكن رغم ذلك المشهد التاريخي…
رغم الضغط الشعبي غير المسبوق…
رغم سقوط مسؤولين، وتغييرات شكلية…
لم تُفتح كل الأبواب.
ولم تُجب كل الأسئلة.
خرج الناس باللون الأبيض…
وعادت الدولة… بلون الملفات المغلقة.
الفصل الخامس: دفن الحقيقة – اغتيال الشخصية وهروب المجرم
بعد الإقصاء المثير للجدل للقاضي النزيه جان مارك كونتيروت، تولّى القضية قاضي جديد: جاك لانجلوا. رجل هادئ المظهر، بارد الطبع، لكنه أسرع من سابقيه في وضع “حدود للبحث”. لم يمضِ وقت طويل حتى بدا واضحًا أن إدارته للقضية كانت تهدف إلى دفن أي أثر للشبكة الحقيقية.
الأدلة التي تلوح بالوجود الكبير للشبكة لم تلقَ أي اهتمام:
-
تقرير بنكي أظهر إيداعات مالية ضخمة في حساب دوترو، تتزامن مع كل اختفاء جديد. رفض القاضي الاستماع إليه، وقال ببساطة: “ماله علاقة بالقضية.”
-
عينات شعر وجدت في الزنزانة السرية لم تُرسل للتحليل الوراثي الكامل. كان من الممكن أن تكشف وجود أشخاص آخرين دخلوها… لكن القاضي رفض الطلب.
-
حتى وثيقة غريبة وُجدت في منزل أحد شركاء دوترو، مكتوب عليها اسم “أنوبيس” – إله الموت عند المصريين القدماء – وتطلب توفير عدد محدد من الضحايا بمواصفات معينة لطقوس معينة، تجاهلها القاضي تمامًا.
القصة بدأت تتحول من “جريمة مجنون” إلى مؤامرة منظمة، مختفية وراء حائط رسمي صامت.
ثم جاء الهجوم على الشهود، وكان رأسه: ريجينا لوف.
وسائل الإعلام الرئيسية، بتواطؤ واضح مع المدعية العامة الجديدة، شنّت عليها حملة تشويه غير مسبوقة. اتهموها بالكذب، بالجنون، وبالهيوس النفسي. ورغم ذلك، الواقع كان مختلفًا:
-
أهلها اعترفوا صراحة أنهم كانوا يؤجرونها فعلاً للرجل “توني فان” عندما كانت طفلة.
-
الرجل نفسه اعترف بتلقيها من أهلها، لكنه أنكر كل شيء عن الحفلات.
-
لم يتم قبول شهادتها، ولا شهادات 9 شهود آخرين قدموا أدلة مشابهة.
والمفارقة المأساوية: المحامي الذي كان يمثل عائلات الضحايا، اكتشف لاحقًا في 2008 أنه كان جزءًا من شبكة دولية لاستغلال الأطفال، وضُبط بحوزته مواد إباحية للأطفال. كانت الصدمة مزدوجة: الضحايا محرومون من العدالة، ومن يدافع عنهم كان جزءًا من الجريمة نفسها.
ثم جاءت الاعترافات السرية لدوترو، والتي قلبت كل المفاهيم رأسًا على عقب.
في مقابلة سرية مع صحفي متخفٍ، قال:
-
إنه لم يخطف الأطفال ليؤذيهم، بل كان “يخبئهم ويحميهم” من الشبكة الحقيقية.
-
الطفلتان جولي وميليسا لم تموتا في الزنزانة، بل أخذتهما الشبكة إلى حفلات، حيث قُتلتا أثناء غيابه في السجن.
-
وصف نفسه بأنه الحلقة الضعيفة في الشبكة، وأن محاكمته كانت مجرد “مسرحية” لدفن الحقيقة.
-
زعم أن بعض ضباط الشرطة ساعدوه أحيانًا في عمليات الاختطاف.
ولم يأتِ هذا الحدث بمفرده، فقد صدم الجميع الهروب المريب لدوترو:
في سابقة غير مسبوقة، سُمِح له بالخروج من السجن المشدد تحت حراسة ضابط واحد فقط لاستلام أوراق قضيته. استغل الفرصة:
-
ضرب الحارس.
-
سرق سلاحه.
-
سرعان ما انطلقت السيارة، وبدأ الهروب.
خلال ثلاث ساعات فقط، تحولت بلجيكا إلى حالة من الفوضى:
-
استقال قائد الدرك الوطني.
-
استقال وزير العدل.
-
استقال وزير الداخلية.
تم القبض على دوترو لاحقًا، لكن سلسلة الصدمات لم تنته.
-
انتحر المدعي العام هوبير ماس في ظروف غامضة، بعد أشهر قليلة.
-
الصحافة لاحقًا كشفت أن دوترو كان يتواصل مع قاصرات من داخل السجن، بعلم السلطات، دون أي تدخل لمنعه.
كانت الحقيقة المزدوجة واضحة:
-
دوترو لم يكن مجرد مجرم منفرد.
-
المؤسسات نفسها، التي كان من المفترض أن تحمي الأطفال، كانت جزءًا من المسرحية.
-
العدالة كانت ممثلة على خشبة، بينما الكابوس الحقيقي ظل مخفيًا خلف الستار.
في هذه المرحلة، لم تعد القصة عن جرائم طفلة أو فتاة مختطفة.
صار السؤال الأكبر: من الذي دفن الحقيقة؟ ومن الذي استمر في حماية الشبكة؟
ووسط كل هذا، بقيت صورة دوترو معلقة في ذهن الناس: ليس مجرد مجرم، بل رمز للحقيقة المدفونة وللنظام الفاسد الذي يسمح لها بالبقاء مخفية.
تعليقات
إرسال تعليق